ولاء العليوي.. رحلة نجاح من حمص إلى التفوق في “الصيدلة والأبحاث السريرية”

ولاء العليوي.. رحلة نجاح من حمص إلى التفوق في “الصيدلة والأبحاث السريرية”

صوفيا: أيمن حامد

“من رحم المعاناة يولد دائما الأمل”، قد تبدو هذه العبارة بداية مناسبة كي نحكي قصة فتاة سورية فرضت عليها ظروف الحرب الابتعاد عن وطنها المحبوب، لتجد نفسها فجأة في عالم جديد مجهول وسط عشرات التفاصيل الغامضة والمعقدة. أن تصبح فجأة في مكان لا تعرف لغة أهله، ولا كيف ستعيش؟ وماذا عن المستقبل؟ أسئلة صعبة لكن ولاء العليوي رفعت شعار التحدي والاجتهاد في سبيل تحقيق حلمها في أن تكون صيدلانية ومتخصصة في مجال الأبحاث السريرية رغم مأساة الرحيل عن الوطن. رحلة طويلة من القلق والانتظار وخيبة الأمل انتهت كلها بالنجاح والتكريم والحصول على الوظيفة التي كانت تتمناها وتحلم بها حتى وهي ما زالت تعيش في سوريا قبل سنوات. قررت شبكة “تواصل” إلقاء الضوء على نموذج ناجح ومشرف من أبناء الوطن العربي الكبير في بلغاريا، عبر هذا الحوار السريع، الذي يكشف تفاصيل الرحلة الصعبة لفتاة عربية ألقت بها المقادير في بلغاريا من أجل تحقيق حلمها، الذي يؤكد، أول ما يؤكد، أن الحلم مشروع في أي مكان شريطة الاجتهاد والعمل. وإلى نص الحوار:

  • كيف وصلت إلى بلغاريا يا ولاء؟

في صيف ٢٠١١ كما في كل عام جئت مع عائلتي إلى بلغاريا لكي نقضي إجازة الصيف، لكن في هذه الأثناء كانت قد بدأت الأحداث في سوريا تتصاعد، ومع انتهاء الصيف قمنا بتمديد الفيزا ٣ شهور إضافية على أمل أن تتحسن الأمور، لكن مع الأسف زادت الأمور سوءا في سوريا، وخصوصا في مدينتي حمص، وكنت قد دفعت قسطي الجامعي في سوريا، إذ كنت متأكدة أننا عائدون، لكن للأسف جاء العام ٢٠١٢ ولم أتمكن من العودة فقد أصبح الوضع أسوأ من ذي قبل. ومع انتهاء مدة الفيزا لم يعد بإمكاننا إجراء أي تمديد لها، فقد استخدمنا كل الفرص المسموحة. وكان خيار الأسرة الوحيد تقديم طلب لجوء إنساني، وكان قرارا صعبا، لكن في النهاية قدمنا طلب حماية، وبالفعل قبلت السلطات طلبنا، وحصلنا على أوراق اللجوء.

  • كيف بدأت رحلة التأقلم مع الوضع في بلد جديد؟

هنا بدأت المرحلة الصعبة نحو المجهول وسط سيل من التساؤلات داخلي. هل سأعود لإكمال دراستي في بلدي؟، حيث كنت نجحت للسنة الرابعة وتبقى لي سنتين قبل التخرج، أم سوف أكمل دراستي في صوفيا؟ ولكن كيف؟ ماهي فرص قبولي هنا؟ ما هي الأوراق المطلوبة؟ كيف سأجلب أوراقي من سوريا في ظل الحرب المشتعلة هناك؟ هل سأتمكن من تحقيق حلمي وشغفي بأن أصبح صيدلانية؟ كان ذلك حلمي منذ الطفولة. أردت أن أصبح صيدلانية وأملك مخبري الخاص أو أن أعمل في شركة دواء لكي أتمكن من تصنيع وتطوير الأدوية لمساعدة وعلاج المرضى وخاصة الأمراض المستعصية.

  • وماذا كان قرارك في ذلك الوقت؟

بعد عناء تمكنت من إحضار جميع الأوراق المطلوبة للتسجيل في الجامعة هنا. الأمر الإيجابي كان إمكانية الدراسة باللغة الإنكليزية، أما الأمر السلبي فهو عدم وجود أي منح دراسية في جامعات بلغاريا. نظرا لارتفاع القسط الجامعي هنا. تقدمت بالتماس للجامعة هنا للنظر بوضعي والأخذ بعين الاعتبار علاماتي الممتازة وظروف الحرب في سوريا على أمل تخفيض الرسوم الجامعية لكن للأسف رفض الجامعة التماسي. ثم تم قبولي في كلية الطب في صوفيا، فرع الصيدلة، السنة الثالثة، وتم تعديل أغلب موادي. وفي عام ٢٠١٣ بدأت رحلة إكمال دراستي في بلغاريا.

  • ما أهم الصعوبات التي واجهتك في تلك الفترة؟

أدركت أن أهم خطوة في سبيل الاندماج هو تعلم لغة البلد، وبالفعل سجلت بدروة سريعة مدتها أسبوعين، لتعلم الكتابة و القراءة والأساسيات في اللغة البلغارية، وحصلت على شهادة امتياز. وبمساعدة أصدقائي البلغار وإصراري على تكلم البلغارية بدأت لغتي بالتحسن. لكن علي الاعتراف بأن اللغة البلغارية لغة صعبة جدا، لكن مع مرور الوقت أصبحت أتكلمها بطلاقة وهو ما سهل أمور حياتي كثيراً.

  • لماذا اخترت مجال الصيدلة؟

الصيدلة كانت حلمي وشغفي الأكبر في الحياة، لذلك لم أتخل يوما عن هذا الحلم، وخلال سنوات دراستي في صوفيا حصلت لسنتين على التوالي على منحة الطالب الأوروبية وهي عبارة عن مكافأة مالية رمزية للطلاب المتفوقين.

في عام ٢٠١٦/٢٠١٧، تحقق حلمي وحصلت على شهادة ماجستر بالصيدلة بمرتبة ممتاز، بعد حصولي على المرتبة الأولى، أفضل طالب لهذا العام. وحصلت على تكريم من وزير الصحة البلغاري، ورئيس الجامعة، وعميد الكلية، وشركة الأدوية GSK .

  • وكيف كان خطوة الحصول على وظيفة بعد التخرج؟

في نهاية عام ٢٠١٧، تم قبولي في واحدة من أهم الشركات في العالم للأبحاث السريرية الشركة على الصعيد العالمي، في قسم اليقظة الدوائية. إذ كان هدفي العمل في مجال الأبحاث السريرية، لكي أكون جزءا من اختراع وتطوير وترخيص أدوية وعلاجات جديدة تنقذ البشرية سواء من الأوبئة أو الأمراض المستعصية والنادرة.

وفي عام ٢٠١٩ اجتزت خطوة إضافية في سبيل تحقيق هدفي، حيث توظفت في الشركة الأولى عالميا في مجال الأبحاث السريرية، ولازلت أعمل حاليا في هذه الشركة. خلال هذه الفترة كنت جزءا من تطوير وضمان أمان أدوية لعلاج السرطان، فضلا عن أمراض عصبية كمرض باركنسون والانفصام، ومرض السكري وغيرها من أمراض الكبد. وفي هذا العام تمت ترقيتي إلى منصب مدير مشروع، وهي خطوة مهمة أخرى.

  • هل تعتقدين أن فيروس كورونا سيصبح عما قليل جزءا من الماضي البشري، أم أنه سيصاحبنا لفترة أطول في المستقبل؟

فيروس كورونا سيكون مصيره كمصير كل الفيروسات التي سبقته، وسيصبح جزءا من الماضي ولكن ليس في القريب العاجل. كما ستظهر فيروسات جديدة وتختفي وتستمر الحياة. لكن أريد ان اطمئن الجميع ان العلم في يومنا هذا متطور جدا، وتركيز كل العالم اليوم اصبح منصبا على مجال الأبحاث السريرية بهدف تطوير واختراع علاجات جديدة تحمي وتخدم البشرية

  • وماذا عن خططك المقبلة؟

خطواتي القادمة هي الحصول على الدكتوراه في مجال الطب الجزيئي واختراع وتطوير الدواء Molecular medicine and innovative treatments

  • ما هي مميزات العمل في بيئة مختلفة عن الحياة في بلداننا العربية؟

هناك جوانب إيجابية كثيرة للعمل في الشركات العالمية هنا في بلغاريا، منها إمكانية العمل مع أشخاص من مختلف الجنسيات والثقافات والخلفيات، ما أتاح لي فرصة رائعة للتعلم والانفتاح على ثقافات مختلفة وسعت أفاقي وساهمت قطعا في تكوين شخصيتي وطرح إضافات على الخلفية الإنسانية والثقافية، التي جئت بها من وطن. هذا النوع من التواصل والانفتاح على الآخر إضافة إنسانية مهمة لأي شخص بالطبع.

  • ما هي نصيحتك للشباب العربي القادم حديثا إلى أوروبا:

نصيحتي الأولى اشتروا معاطف سميكة وثياب شتوية وأحذية للثلج، فالبرد “ما بيرحم هون”. لكن الأهم لا تخشوا الاختلاف لكن تعلموا منه، ولا تنسوا هدفكم الأساسي الذي جئتم إلى هنا من أجله. دائما تعاملوا مع الناس على أساس إنساني لا عرقي ولا طائفي او ديني. وكذلك تعلموا لغة البلد وتعرفوا على ثقافته فهذا سوف يسهل اندماجكم في المجتمع الجديد. العلم هو سلاحنا وقوتنا في كل مكان وزمان ولا تنسوا أنكم تمثلون بلادكم وثقافتكم هنا فكونوا خير تمثيل وقدوة. بالإصرار والتصميم والإيمان يمكن أن يتحقق المستحيل.

  • في هذه الرحلة كانت هناك بلا شك بصمة لشخص ما في حياتك. من كان صاحب التأثير الأكبر؟
ولاء تتوسط والدتها وأخيها جواد

الشخص الأكثر تأثيرا بحياتي كان تلك المرأة العظيمة الفاضلة المثل الأعلى والصديقة أمي ماجدة. أريد أن أشكرها على كل ما قدمته من تضحية ودعم لكي نرتقي ونحقق أحلامنا أنا وإخوتي، فلولا وجودها بحياتي لما تمكنت من الصمود والاستمرار في رحلتي هذه. أريد أن أهديها هي وإخوتي مرهف وجواد كل نجاح وإنجاز في حياتي. هم سندي في هذه الحياة وأعدهم ان نكون دوما يدا واحدة.

 

 

ولاء تلقي كلمة في حفل تخرجها من الجامعة
فرحة التخرج وسط عميد الكلية ومسؤوليها
تواصل

تواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.